السيد عباس علي الموسوي
456
شرح نهج البلاغة
الشرح ( ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ) هذا الكلام من الإمام تحذير لهذا الإنسان من الدنيا وتنفير منها وقد وصفها بهذه الأوصاف التي تجعل من يقف عليها يشمئز منها ويبتعد عنها ويعمل لما بعدها . وصفها بأن أولها عناء أي تعب ونحن ندرك ذلك بالوجدان وعلى وجه الحقيقة فمنذ أن يسقط الجنين إلى الأرض ويستقبل الحياة تبتدأ المعاناة ويبتدأ العذاب ففي كل يوم آفة تصيبه وألم يلم به فالهواء يؤذيه والمناخ الحار يضره والبرد يمرضه وهكذا تستمر المعاناة حتى إذا بلغ وأدرك مدرك الرجال تأتيه هموم الدنيا ومتطلباتها من بناء مستقبل وسعي وراء رزق حتى إذا بلغ مبلغ الكهولة ضعف جسده وانحلت بنيته وغزته الآفات فأصبحت همته عاجزة وقوته ضعيفة ولم يعد يقوى على القيام منفردا فيستعين بغيره وقد يعجز وهكذا يستمر الوهن في بدنه حتى تأتي منيته . . . ثم وصف آخر هذه الدار الدنيا بأن آخرها فناء وهو الموت الذي يأتي على هذا الإنسان وهذه حقيقة تتجسد أمامنا في كل يوم فهناك أموات ننقلهم إلى مثواهم الأخير وعما قليل سينقلنا من يأتي بعدنا وهكذا . . . قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وقال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وجَهُْ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ . . . . . - ذكر أن في حلالها حساب فلا بد من عرض الأعمال ونشر الصحف قال تعالى : إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ وقال تعالى : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ . . . - وفي حرامها عقاب وإذا كان لا بد في الحرام عقاب وقصاص فمن يقوى على ذلك العقاب ومن يقدر أن يطيقه وهو عقاب اللّه الشديد . . . ( من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ) وهذه علات الدنيا وقبائحها بل هذه فجائع أهلها ومصائبهم أن من اغتنى فيها وأصبح غنيا في ماله أو صحته أو جاهه أو في أي ميدان من ميادين الحياة تراه يضل وينحرف ويسعى في الفساد فإذا أعطى فكرا يحول فكره إلى إضلال الناس والانحراف بهم وإذا أعطى قوة تأخذه قوته إلى الاعتداء على الضعفاء وإذا كان صاحب مال تراه يستعمل أمواله فيما لا يجوز ويصرفه فيما هو محرم وهكذا قال تعالى وهو أصدق القائلين « إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى » . . .